دماء الشهيد تشعل نار الانتفاضة

ما إن بدأت أنباء استشهاد القائد عماد عقل بالانتشار حتى اندفعت الجماهير الفلسطينية الغاضبة نحو منزل الشهيد في مخيم جباليا محطمة أوامر منع التجول التي حاولت سلطات الاحتلال فرضها بعد استشهاد البطل القسامي لعله يكون مجرد إشاعة قيلت أو أكذوبة من أكاذيب راديو العدو الصهيوني.وبإعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الحداد العام لمدة ثلاثة أيام في كافة أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، شهدت المدن والقرى والمخيمات تصعيداً نوعياً في فعاليات الانتفاضة المباركة باعتراف كل وسائل الإعلام العالمية وحتى الإسرائيلية. وحسب هذا الاعتراف، فقد أعادت صور الانتفاضة المتجددة إلى الأذهان صور الانطلاقة في أيامها الأولى. فإلى جانب الإضراب الشامل الذي عم الضفة والقطاع خلال أيام 25، 26، 27 تشرين الثاني (نوفمبر) تلبية لدعوة حركتي حماس وفتح، غطت سماء القطاع سحابة سوداء من كثرة الإطارات المشتعلة وأغلقت المحال التجارية أبوابها وتوقفت حركة المواصلات ورفعت الأعلام السوداء وأغلق الشباب جميع الشوارع بالمتاريس والحواجز الحجرية وتعطلت الدراسة في جميع المدارس والمعاهد والجامعات. وتكونت المسيرات العشوائية الحاشدة من جميع فئات الشعب واتجاهاته لتشارك في عرس (عماد القسام) حيث انطلقت هتافات الجماهير أطفالاً ونساءً وشباناً وشيوخاً تدوي في سماء الوطن (نرفض السلام مع القتلة) بوحدة وطنية حقيقية لم تشهدها فلسطين المحتلة منذ توقيع اتفاق أوسلو. وفيما ظهرت مجموعات المطاردين من كتائب الشهيد عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وصقور فتح مع إطلالة فجر الخامس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) تجوب الشوارع وهي تطلق النار في الهواء تحية للشهيد القائد معلنة أن عماد عقل هو قائدها الأعلى، صدحت مكبرات الصوت في المساجد بالقرآن الكريم ودعت السكان إلى "ذبح اليهود" و "تصعيد مقاومتهم للجنود الإسرائيليين" و "إحراق الأرض تحت أقدام الغزاة الصهاينة" . وما هي إلا دقائق قليلة حتى تدفق مئات الشباب إلى الشوارع التي شهدت حرباً حقيقية بين الحجر والبندقية وتحول القطاع بأكمله إلى ساحة قتال تركز أعنفها في مخيم جباليا وفي حي الشيخ رضوان ومخيم الشاطئ وحي الشجاعية. وترافقت هذه المصادمات التي جرت بين جماهير القطاع وجنود الاحتلال الذين جابوا الشوارع بدوريات عسكرية مكثفة وتمركز عدد منهم فوق المباني المرتفعة وعلى الطرقات والشوارع والمحاور الرئيسية، مع الإضراب الشامل الذي شل مدن الخليل وبيت لحم ورام الله وجنين ونابلس والقدس حداداً على استشهاد (أسطورة غزة) حيث أغلقت المدارس والمؤسسات والمصانع والمتاجر أبوابها. وجاب ملثموا حماس في جميع أنحاء الضفة والقطاع يكتبون شعارات تنعي الشهيد القائد عماد عقل وتتعهد بالثأر والانتقام. وحال تساقط الأمطار في بعض المناطق من اتساع رقعة المواجهات. وفيما يلي تفاصيل أحداث الأيام الثلاث التي أعقبت استشهاد أسطورة غزة كما نُشرت في وسائل الإعلام المختلفة:

*مخيم جباليا: فرضت السلطات العسكرية الإسرائيلية حظر التجول منذ الساعة الأولى من فجر يوم الخميس الموافق 25 تشرين الثاني (نوفمبر) على المخيم وقامت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود بعمليات مداهمة واقتحام للمنازل واحداً تلو الآخر تساندهم ثلاث طائرات مروحية وشرعت بحملة اعتقالات في صفوف السكان وأنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس). كما كثف جنود الاحتلال من حضورهم في بلوك (7) في منطقة الفالوجة حيث منزل والدي الشهيد القائد الذي تعرض للاحتلال منذ ساعات الصباح. فقد رابطت مفرزة كبيرة من الجيش وحرس الحدود داخل المنزل ومنع أي شخص من مجرد الاقتراب منه مهما بلغت درجة قرابته للشهيد باستثناء والدي عماد وشقيقته في خطوة لتحطيم نفسية العائلة. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، فإن جماهير المخيم خرقت حظر التجول وخرجت في تظاهرات حاشدة وخاضت مواجهات عنيفة مع جنود العدو الذين انسحبوا إلى مواقعهم العسكرية وتحصنوا فيها. وجرت مسيرات وتظاهرات أمام منزل الشهيد رغماً عن جنود الاحتلال الذين ردوا بإطلاق النار مما أسفر عن إصابة ستة مواطنين بالرصاص، كانت إصابة أحدهم خطرة. وفي اليوم التالي، استمر الإضراب الشامل وأضرمت النار في إطارات السيارات وأغلقت الطريق في حين كثفت قوات العدو من وجودها وخاصة حول المساجد بعد انتهاء صلاة الجمعة. واشتدت حدة المصادمات والاشتباكات بعد ساعات من رفع حظر التجول عن المخيم في الثامن والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) حيث جرت تظاهرات حاشدة سرعان ما تحولت إلى مواجهات ألقي خلالها الحجارة والزجاجات الفارغة على الجنود الإسرائيليين الذين انتشروا في شوارع وأزقة المخيم وأطلقوا الرصاص على المتظاهرين فأصابوا خمسة بجروح مختلفة في حين تعرض العديد من المواطنين للضرب من قبل قوات العدو. وشهد هذا اليوم تجمع مئات الأشخاص من مختلف الأعمار والاتجاهات السياسية أمام منزل الشهيد القائد مرددين الأناشيد والهتافات الإسلامية والوطنية.

أما في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر)، فقد انطلقت منذ ساعات الصباح الباكر مسيرات حاشدة شاركت فيها كل التنظيمات الفلسطينية باتجاه منزل الشهيد عماد عقل رفع خلالها المتظاهرون الأعلام الفلسطينية وأطلقوا الهتافات الغاضبة بالثأر من قوات الجيش الصهيوني. وطافت المسيرات منطقة الفالوجة، مكان سكن الشهيد القائد، حيث هاجم الشباب الدوريات العسكرية بالحجارة ودارت اشتباكات عنيفة في محيط بيت العزاء مع الجنود الإسرائيليين الذين تحصنوا بسياراتهم ومواقعهم وأطلقوا النار بكثافة مما أدى إلى إصابة عشرة شبان بجروح نقلوا على أثرها إلى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج.

*حي الشجاعية: أصاب سكان الشجاعية حالة من الذهول والغضب والحزن العميق إثر تأكيد نبأ استشهاد قائد القسام عماد عقل الذي عرفه أهالي الشجاعية جيداً فقد قضى فيه الجزء الأخير من حياته ووجد فيه الملجأ والمأمن. ومنذ بزوغ فجر يوم الخميس، توافد الآلاف من أبناء الحي ومن مناطق أخرى إلى مكان استشهاد البطل ليلقوا النظرة الأخيرة على بقايا جسده التي تناثرت وقاموا بجمعها ووضعها في نعش ولفوه بعلم فلسطيني كتب عليه (لا إله إلا الله) وانطلقوا بمسيرة حاشدة شارك فيها أكثر من خمسة آلاف شخص يرفعون نعش الشهيد ويهتفون لكتائب القسام ويقسمون على الثأر وعلا صوت أكثر من ثمانمائة امرأة شاركن في التظاهرة بالبكاء والحزن على الشهيد القائد. وطافت التظاهرة شوارع الشجاعية باتجاه مقبرة المنطار المحاذية لمسجد المنطار حيث ألقى أحد الملثمين عبر مكبر للصوت بياناً لحركة حماس أكد فيه أن عبد الفتاح السطري طليق ولم يعتقله جيش الاحتلال وأن الثأر للقائد عماد قريب. وأعلن الملثم عن إطلاق اسم الشهيد عماد عقل على مجموعة مدارس الحي وعلى الشارع الذي استشهد فيه. وخلال عملية دفن أشلاء الشهيد رحمه الله بكت السماء وانهمرت الأمطار بصورة مفاجئة كأنما تعبر بطريقها الخاصة عن حزنها الشديد. ولكن ذلك لم يمنع من خروج الشباب إلى الشوارع التي امتلأت بالمتاريس الحجرية والإطارات المشتعلة يرفعون الرايات السوداء، حيث اصطدموا مع جنود الاحتلال في شارعي صلاح الدين وبغداد إلا أنه لم يبلغ عن وقوع إصابات. كما ظهر ملثمون لحركة حماس وآخرون ينتمون لحركة فتح قاموا بكتابة شعارات على الجدران تنعى شهيد كتائب عز الدين القسام.

وفي ظهر اليوم التالي، انطلقت مظاهرة شارك فيها أكثر من ألف شخص مطالبين بالثأر للشهيد القائد. وقد تدخلت قوة من جيش الاحتلال لتفريق هذه المظاهرة بعد أن أغلق المتظاهرون الطرق وأضرموا النار في إطارات السيارات ورشقوا جنود العدو ودورياته العسكرية بالحجارة، إلا أنه لم يبلغ عن وقوع إصابات. وكان خطيب مسجد الإصلاح بالشجاعية قد نعى الشهيد مهنئاً شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج بعماد عقل معلناً بأن تحرير فلسطين لن يكون عبر الفنادق والمفاوضات السرية وإنما عبر الجهاد والاستشهاد، وقال: "إذا استطاع دعاة السلام إلغاء بند الكفاح المسلح من الميثاق فإننا لن نلغي مبدأ الجهاد من القرآن". كما جرت مسيرة أخرى ضمت أيضاً حوالي ألف مواطن بعد صلاة الجمعة الموافق 4 كانون الأول (ديسمبر) انطلقت من مسجد الإصلاح بالشجاعية وحتى مكان استشهاد البطل عماد عقل ردد خلالها المشاركون الأناشيد والهتافات الحماسية.

*منطقة خان يونس: كغيرها من مدن ومخيمات القطاع المجاهد شهدت منطقة خان يونس (المدينة والمخيم) إضراباً شامل اً ومواجهات ومسيرات حاشدة حيث خرج الملثمون يجوبون الشوارع والأزقة وهم يطلقون الشعارات ويهتفون للشهيد القائد ويرفعون الأعلام الفلسطينية والرايات السوداء وجريد النخيل. كما خرج الطلاب من مدارسهم وانضموا للمسيرات وأشعلوا إطارات السيارات ووضعوا الحواجز على الطرقات دون أن تتدخل قوات جيش الاحتلال. وتعرضت ثلاثة مساجد في المدينة للمداهمة والتفتيش في ساعة متأخر من مساء يوم الأربعاء الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، فقد اقتحم جنود العدو مسجد الإمام الشافعي وقاموا بتفتيشه والعبث بمحتوياته وتمزيق اللوحات داخله. كما قامت سلطات الاحتلال بمداهمة مسجد الرحمة بحي الأمل وذلك للمرة الثالثة على التوالي خلال أسبوع إلى جانب اقتحام مسجد فلسطين حيث حطم الجنود الصهاينة محتويات المسجد وأتلفوا العديد من الكتب الإسلامية وأزالوا الشعارات المكتوبة على حائط المسجد. وتظاهر نحو (2000) شخص عقب صلاة الجمعة الموافق 26 تشرين الثاني (نوفمبر) احتجاجاً على استشهاد عماد عقل. وكان الشيخ أنور نصار خطيب مسجد الرحمة قد دعا في خطبته إلى الوحدة الوطنية والتمسك برص الصفوف وتوحيد الكلمة، وتقدم بالشكر إلى حركة فتح في القطاع لوقوفها إلى جانب حركة حماس وإعلانها الإضراب الشامل لمدة ثلاثة أيام. وفي نفس الوقت، أرسل الشيخ برقية طالب فيها ياسر عرفات بشجب قتل الفلسطينيين والشهيد عماد عقل كما قام بشجب واستنكار قتل الجنود والمستوطنين.

*حي الشيخ رضوان والنصر والرمال: هب أهالي هذه الأحياء المناصرة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأعلنوا عبر مكبرات الصوت في المساجد الإضراب الشامل لمدة ثلاثة أيام حداداً على روح الشهيد عماد عقل وأغلقوا الطرقات بالكتل الإسمنتية والمتاريس وأشعلوا إطارات السيارات وهاجموا الدوريات العسكرية بالحجارة والقضبان الحديدية والزجاجات الفارغة. ورد جنود الاحتلال وحرس الحدود بإطلاق النار وقنابل الصوت وحاصروا مسجد الرضوان الذي تحصن فيه الشبان المتظاهرون ودارت اشتباكات واسعة أسفرت عن إصابة حوالي (15) شخصاً بجراح من جراء إطلاق النار من قبل قوات العدو تم نقلهم إلى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج حيث صنفت إصابة ثلاثة منهم بأنها خطيرة. ولم يسلم المستشفى أيضاً من همجية جنود الاحتلال الذين حاصروه بأعداد كبيرة وقاموا بتفتيش جميع السيارات الداخلة والخارجة للمستشفى الأمر الذي أدى إلى إعاقة تقديم العلاج السريع للمصابين. كما أطلق جنود العدو النار على الشاب علاء النمر (24 عاماً)الذي كان يتحدث مع بعض الصحافيين الأجانب بالقرب من المستشفى فأصيب بجروح بالغة في رأسه حيث نقل لخطورة حالته إلى أحد المستشفيات الإسرائيلية . وقد فرضت سلطات الاحتلال العسكرية نظام منع التجول على حي الشيخ رضوان ابتداءً من صباح يوم الجمعة وحتى يوم الأحد الموافق 28 تشرين الثاني (نوفمبر). كما انطلقت مسيرات حاشدة من عدد من مدارس حي الرمال هتف خلالها المتظاهرون الذين قدر عددهم بحوالي ألف طالب بشعارات غاضبة تهدد بالانتقام لروح الشهيد القائد رحمه الله.

*مدينة غزة: سحابة سوداء حزينة غطت سماء المدينة من كثرة الإطارات المشتعلة حيث وضع الشباب منذ ساعات الفجر الإطارات وأشعلوها في جميع الشوارع إلى جانب الحواجز والمتاريس الحجرية واندفع المتظاهرون في كل اتجاه يبحثون فيه عن الجنود وقوات حرس الحدود للاشتباك معها. وساد إضراب شامل شل جميع مرافق الحياة حداداً على روح الشهيد القائد فيما حلقت فوق المكان طائرة مروحية إسرائيلية لمراقبة الأوضاع المتوترة التي تهدد بالانفجار حيث أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي أن منطقة قطاع غزة تعتبر منطقة عسكرية مغلقة أمام الصحافيين ووسائل الإعلام. وسارت في شوارع مدينة غزة سيارات لحركة فتح دعت عبر مكبرات الصوت المحمولة عليها إلى التضامن مع حركة حماس والإضراب الشامل والحداد الغاضب لمدة ثلاثة أيام تكريماً للشهيد عماد عقل. كما أغلقت حركة فتح المكاتب التي افتتحتها في المدينة وغيرها من المدن والمخيمات في القطاع إثر اتفاق (عرفات – رابين) لمدة ثلاثة أيام ونكست الأعلام الفلسطينية المرفوعة عليها ورفعت رايات الحداد السوداء.

جنود الاحتلال فتحوا النار على جموع المتظاهرين الذين خرجوا للتعبير عن غضبهم فأصيب ثلاثة فتيان بجروح مختلفة، فرد المتظاهرون بإلقاء زجاجة حارقة على دورية عسكرية كانت تمر بالقرب من مسجد الشيخ شعبان بميدان فلسطين مما أدى إلى إشعال مقدمة السيارة الجيب. وانتقم جنود الاحتلال الذين فشلوا في تعقب الذين ألقوا الزجاجة من المسجد الذي تعرض للاقتحام والتفتيش الدقيق مما أدى إلى إتلاف بعض محتوياته. وتدخل المطاردون الفلسطينيون في الأحداث، وقاموا بإطلاق النار على دورية عسكرية كانت تمر في شارع الثلاثين إلا أنه لم يبلغ عن إصابات.

أما في حي الصبرة، فقد تدخلت قوة من الجيش الإسرائيلي لتفريق المتظاهرين الذين ألقوا الحجارة على دوريات الاحتلال العسكرية باستخدام الغاز المسيل للدموع والطلقات المطاطية. ورد الشيخ يوسف الزهار خطيب مسجد فلسطين على فرح العدو وابتهاجه بمقتل عماد عقل بأن "مسيرة الجهاد والتضحية لا تتوقف على شخص وأن مسيرة الشهداء مستمرة". وأضاف خلال خطبة الجمعة التي ألقاها أمام (3000) من المصلين يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) بأن أبناء الإسلام قدموا خلال الأسبوع الماضي ستة شهداء ثمناً "للسلام المزعوم" مطالباً قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باستنكار قتل الشهيد عماد عقل كما استنكرت عملية قتل المستوطن حاييم مزراحي في مدينة رام الله على يد خلية تابعة لحركة فتح.

*مخيم الشاطئ: اندلعت مواجهات عنيفة منذ ساعات الفجر بين قوات الجيش الصهيوني وجموع المتظاهرين الغاضبين إثر سماعهم بنبأ استشهاد البطل عماد عقل. كما توجهت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى عناصرها وخاصة (الصاعقة الإسلامية) بنداءات متكررة عبر مكبرات الصوت في جميع مساجد المخيم للقيام بعمليات تحرق الأرض تحت أقدام الصهاينة المجرمين. وأسفرت المواجهات عن إصابة أحد الشباب برصاص الاحتلال نقل على إثرها إلى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج. وقامت قوات الجيش على مداخل المخيم بإيقاف صحفي فلسطيني يعمل مراسلاً لإحدى وكالات الأنباء الأجنبية ومنعته من الدخول عندما عرفوا أن اسمه عماد وأخذوا يستهزئون ويضحكون ويصرخون بأعلى صوتهم مرددين (…. مات عماد… قتلنا عماد!). وفي إطار التصعيد الذي شهدته الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب صلاة الجمعة، عمّت المظاهرات مختلف أنحاء مخيم الشاطئ وأسفرت المواجهات عن إصابة ثلاثة من أهالي المخيم بجروح إثر إصابتهم برصاص جنود الاحتلال.

*مخيم البريج: اندلعت مواجهات عنيفة في المخيم بين قوات الجيش والمواطنين حيث أطلق جنود الاحتلال النار باتجاه المتظاهرين الذين خرجوا للتعبير عن غضبهم من الممارسات الإسرائيلية الوحشية ورشقوا الدوريات العسكرية بالحجارة والزجاجات الفارغة. وتجمع أكثر من (1500) شخص في اليوم التالي في وسط المخيم وانطلقوا في مسيرة احتجاجية باتجاه قاعدة لجيش الاحتلال عند مدخل المخيم وهم يطالبون بالثأر لمقتل أسطورة غزة. وتفرق المتظاهرون بعد مواجهات مع قوات العدو التي استخدمت الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. كما نظم نشطاء حركة المقاومة الإسلامية في مخيم البريج مظاهرات في الثامن والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) والرابع من كانون الأول (ديسمبر) احتجاجاً على استشهاد القائد القسامي عماد عقل فرقتها قوات الاحتلال أيضاً باستخدام الغاز المسيل للدموع والطلقات المطاطية.

*رفح: صدحت مكبرات الصوت في المساجد بآيات القرآن الكريم والأناشيد الإسلامية الثورية فيما شل مدينة رفح ومخيماتها الإضراب الشامل حداداً على الشهيد القائد. وأغلق الشباب الشوارع بالمتاريس والحواجز الحجرية والإطارات المشتعلة وعلت الرايات السوداء، وسجلت مسيرات لعشرات الملثمين الذين جابوا شوارع المدينة ولكن جنود الاحتلال آثروا عدم التدخل. كما ظهرت مجموعة من صقور فتح في المدينة وأطلقت النار من بنادقها بشكل عنيف واستفزازي في الهواء احتجاجاً على مقتل الشهيد عماد عقل، وقام الصقور بكتابة الشعارات على الجدران يحيّون فيها مناقب الشهيد معلنين بأنهم سينتقمون له وأعلنوا الإضراب الشامل في المدينة لمدة ثلاثة أيام حداداً على روح البطل القائد. وفي اليوم التالي، قام ملثمون ينتمون لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بكتابة شعارات على الجدران تطالب ياسر عرفات باستنكار قتل قائد الكتائب عماد عقل، ونظم نشطاء حماس في الثامن والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) المظاهرات الاحتجاجية فرقتها قوات العدو مستخدمة الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع.

*الخليل: امتدت المظاهرات والمصادمات إلى مدن وقرى ومخيمات الضفة، كان أشدها في مدينة خليل الرحمن التي آوت الشهيد القائد أثناء وجوده في الضفة الغربية. فقد شهدت المدينة وقراها ومخيماتها حداداً وطنياً وإضراباً تجارياً شاملاً امتد يوماً رابعاً بعد ترجل الفارس المقدام خالد الزير قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام في منطقة بيت لحم والخليل خلال اشتباك مع جنود الاحتلال في صور باهر القريبة من القدس. واصطدم المتظاهرون الذين استخدموا الحجارة والزجاجات الحارقة في مواجهة قوات الاحتلال مع المستوطنين اليهود الذين كانوا يعتدون على المنازل والسيارات العربية بالمدينة ويطلقون النار على مستشفى عالية دون أن تمنعهم قوات الجيش الصهيوني أو الإدارة المدنية.

*نابلس: أشعل الشبان المتظاهرون الإطارات وسط المدينة وعلى مفارق الطرق وحدثت اشتباكات ومواجهات عنيفة مع جنود الاحتلال الذين أطلقوا العيارات النارية وقنابل الصوت. وشهدت المدينة إضراباً شاملاً استجابة لدعوة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) احتجاجاً على استشهاد البطل عماد عقل. كما ألقت زجاجة حارقة باتجاه دورية عسكرية لدى مرورها في مدينة نابلس، زعم العدو أن الزجاجة تحطمت واشتعلت على الطريق في حين رد الجنود بإطلاق النار.

*القدس: ساد إضراب شامل معظم أجزاء المدينة حداداً على الشهيد القائد رحمه الله فيما انتشرت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود في مختلف شوارع المدينة المقدسة تحسباً للمصادمات.

*رام الله: أقامت قوات الاحتلال منذ الصباح الباكر حواجز عسكرية على مداخل المدينة من جميع الجهات ومنعت حملة هويات المدن الأخرى من دخولها وأعادتهم من حيث أتوا. وعلى الرغم من هذه الاجراءات، فقد تضامنت رام الله مع دعوة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حيث شلَّ الإضراب التجاري الشامل حداداً على القائدين عماد عقل وخالد الزير مختلف أنحاء المدينة ومرافقها ومصانعها ومدارسها.

*جنين: انتابت مشاعر السخط والغضب أهالي المدينة في أعقاب إذاعة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبر مكبرات الصوت بياناً تنعى فهيا القائد عماد عقل وتندد بممارسات الاحتلال وجرائمه مؤكدة في نفس الوقت أن عملياتها ستتواصل وأن سقوط الشهداء يعني الاستمرار بالمقاومة وليس الاستسلام. فأغلقت المحال التجارية أبوابها وعلق طلبة المدارس في المدينة والعديد من قرى جنين الدراسة وأعلنوا الحداد العام على روح الشهيد. وعبر أهالي جنين عن تضامنهم مع حماس بالهجمات الجريئة التي شنها الشباب على آليات جيش الاحتلال ودورياته التي ردت بإطلاق النار وملاحقة المحتجين واقتحام المباني السكنية في المدينة وتفتيشها واحتجاز العشرات من المواطنين. كما انطلقت المسيرات الطلابية من مدارس جنين ردد المشاركون فيها الهتافات المؤكدة على استمرار الانتفاضة والداعية إلى انسحاب الوفد الفلسطيني من مفاوضات السلام.

وقد توقفت حركة السير بشكل تام في المدينة لمدة خمس دقائق حداداً على روح شهيد كتائب القسام. ونظمت حركة المقاومة الإسلامية في الرابع من كانون الأول (ديسمبر) مهرجانات طلابية في عدد من مدارس المدينة بمناسبة استشهاد القائدين عماد عقل وخالد الزير.

ولعله من المفيد هنا أن ننقل جزءاً من (ذكريات جندي إسرائيلي في جحيم الانتفاضة) التي كتبها أحد ضباط الاحتلال الذين خدموا في قطاع غزة أثناء المواجهات التي اندلعت بشراسة في أعقاب ورود أنباء استشهاد القائد القسامي البطل عماد عقل، والتي نشرت في صحيفة الأندبندنت البريطانية. فقد كتب داني بن تال في تلك الذكريات ما نصه: "في العادة، يدخل المرء إلى قطاع غزة عن طريق نقطة إيريز حيث يتم تفتيش العمال الفلسطينيين في طريقهم إلى أعمالهم في إسرائيل، ومع أن هذه النقطة لا تشكل حدوداً دولية إلا أنها تفصل بين حقيقتين مميزتين. فقبل بضعة أيام من التحاقي بوحدتي، كان قد تم طعن جندي احتياط في رقبته، عند نقطة تفتيش مماثلة، مما خلّف أربعة أطفال يتامى!

لدى جلوسي على مقهى على الطريق، يطل على نقطة أيريز، أدركت للمرة الأولى، أن عضلاتي تتوتر، فقد كان شخص يقترب مني من الخلف، فقفزت واستدرت لأتفادى الهجوم، ثم شعرت بأنني أبله حين اكتشفت أن الشخص الذي كان ورائي لم يكن سوى الفتاة التي تعمل في المقهى!

بعد عشرين دقيقة من وصولي إلى القاعدة العسكرية في وسط جباليا، طارت قنبلة مولوتوف في الهواء، وانفجرت ملتهبة على مسافة بعيدة… وكأنها ترحب بالعودة إلى جباليا.

لقد أصبحت قنابل المولوتوف جزءاً منتظماً من حياتنا في الشهر الماضي، لكن الرصاص الحي هو الذي كنا نخاف منه أكثر، ففي كل يوم تقريباً كنا نسمع إطلاق النار من مكان ما في مخيم اللاجئين، دون أن نعرف مصدره.. كنا نشعر بأننا هدف، سواء كنا في وضع ثابت أو متحرك. ومع شعورنا بأننا الضحايا في هذا الوضع، فقد كنا ندرك أيضاً أن الضحايا الحقيقيين هم مهاجمونا.. ضحايا التشكك السياسي والقيادة غير الحكيمة، لقد كان يقال كثيراً من المرات: إن العرب سيحاربون حتى آخر فلسطيني وأنا لا أرى إلا أنهم مخلب في هذه اللعبة!

حين جاء الخبر من الإذاعة ليلة الرابع والعشرين من تشرين الثاني عن مقتل عماد عقل ، رئيس الجناح العسكري لحماس ، عز الدين القسام ، وأحد سكان جباليا ، فإن كثيراً من زملائي الجنود أطلقوا صرخات الارتياح ، فقد قام عقل ، بأعصاب باردة بقتل كثير من الناس ، بمن فيهم ما لا يقل عن عشرة جنود ومع أنه كان بالنسبة لنا "شيطاناً" فقد مات، في نظر الفلسطينيين، بطلاً، مناضلاً من أجل الحرية وشهيداً.

فعندما تمت تطويقه داخل بيت، خرج وهو يرش سيلاً من الرصاص بدلاً من أن يواجه الاعتقال.

كانت الأيام الثلاثة بالنسبة لنا جحيماً، عندما حاولنا أن ننفذ منع تجول يومي للحيلولة دون وقوع الاضطرابات كنا نعمل على مدار الساعة. دوريات ومهمات حراسة، ومزيد من الدوريات ومهمات الحراسة.

"إنني متعب وغاضب من الوضع، غاضب لأنني زججت نفسي فيه" هكذا كتبت في مذكرتي ذات صباح، وأضفت: أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس في الحال".