المطارد ذو الأرواح السبعة

كان اليهود يسألون عنه في كل مكان، وكان رحمه الله حديث الناس في مجالسهم يتحدثون عن جرأته وإقدامه ويتداولون أخبار عملياته ويدعون الله أن يحفظه ويحميه، وقلما تجد أحداً في القطاع لم يسمع بعماد عقل الذي حظي بدعم وغطاء السكان الذين تعاطفوا معه وأحبوه. ومع ذلك كان شكله مجهولاً لليهود وهم دائماً كانوا يسألون عن أوصافه حيث كان يمر من بينهم وعن حواجزهم دون أن يظفروا به. فلم يكن يسمح رحمه الله على الإطلاق بأن تلتقط له صور، وعلى عكس مطلوبين عديدين، حرص عماد على عدم الظهور علناً ولم يخرج عن خطه هذا طول العامين الماضيين.

عرف الشهيد القائد برشاقته وخفة حركته وسرعة بديهته وخبرته العسكرية التي أذهلت القادة العسكريين الإسرائيليين وجعلتهم يعتبرونه أخطر مطاردي الضفة الغربية وقطاع غزة ويطلقون عليه (المطارد ذو الأرواح السبعة) وذلك لتمكنه من الإفلات من قبضة جيش الاحتلال ووحدات المستعمرين أكثر من سبع مرات على الرغم من وجود عشرات الحواجز العسكرية في الطرقات ووجود صورة الشهيد لدى الجنود والضباط الإسرائيليين. كما درج الشهيد القائد على خداع القوات الإسرائيلية وضباط الاستخبارات الذين يلاحقونه ويتابعون تحركاته بالتنقل داخل قطاع غزة وبين القطاع وجبال الخليل متنكراً في صور مختلفة حتى إنه كان أحياناً يلبس لباساً أشبه ما يكون باليهودي أو المستوطن المتدين بطاقيته المميزة بسروجها ويستخدم سيارات تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية صفراء للمرور بين الحواجز العسكرية دونما تفتيش ولا مساءلة.

وبفشل سلطات الاحتلال وأجهزة مخابراتها في محاولاتها اعتقال الشهيد أو تصفيته، لجأت إلى أسلوب الضغط النفسي وإشاعة جو الإرهاب ضد عائلة الشهيد فاعتقلت شقيقه عادل تسع مرات بسبب العمليات التي كان ينفذها البطل عماد عقل. وفي المرة التاسعة تم إبعاده إلى جنوب لبنان ضمن نشطاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في السابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1992. ولكن الشهيد القائد لم يرضخ ولم يلن، بل ازداد إصراراً وثباتاً معلناً بصوت عال "لن أعود إلى السجن أبداً…. لن أختار السجن أبداً". وهنا نتوقف عن ما ذهب إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي (إسحق رابين) في محاولة للتخلص ولو بشكل مؤقت من الشهيد البطل الذي تجاوز بجهاده كل القادة وزعماء الثورات الذين خُلدت أسماؤهم. فقد طلب رابين أثناء زيارته لقطاع غزة وتجوله في مخيم جباليا من شقيق الشهيد نقل اقتراح لعماد بالاتفاق على وقف ملاحقة القوات الإسرائيلية له إذا وافق على الخروج من الأراضي المحتلة مؤقتاً لمدة ثلاث سنوات على أن يتولى الصليب الأحمر الإشراف على تنفيذ هذا الإتفاق، ولكن هيهات لمن تربى على مائدة القرآن وفي مدرسة محمد ^ أن يخضع لابتزاز المحتلين ولهذا رفض الشهيد القائد الذي يحب الجهاد إلى درجة العشق ويتمنى الموت شهيداً فوق ثرى الوطن الغالي هذا الاقتراح بشكل قاطع. وإذا كان جنودا لاحتلال وضباط مخابراته قد تفاجؤوا بالشجاعة التي تحلى بها الشهيد الذي كان يبادر إلى الاقتراب من دوريات الجيش وحرس الحدود ويطلق النار على الجنود داخلها من مسافة قصيرة، فإنهم قد تفاجؤوا أيضاً بمقدرته الفائقة على التأقلم وسرعة الحركة والإفلات من الطوق العسكري الذي تضربه قوات الجيش والوحدات الخاصة حول الأماكن التي كان يختبئ بها. ففي إحدى المحاولات العسكرية الفاشلة التي نظمها جيش الاحتلال لاعتقال القائد المطارد عماد عقل، حاصرت قوات ضخمة من جيش الاحتلال ضمت المئات من الجنود وعدداً كبيراً من المظليين المزودين بسلالم ومعدات متطورة إلى جانب الستر الواقية والأسلحة الرشاشة الحديثة حي الرمال في مدينة غزة يوم الخميس الموافق 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993، وباشرت هذه القوات حملة تمشيط واسعة ثم أطلقت عدة صواريخ مضادة للدبابات باتجاه منزل مواطن فلسطيني كان يعتقد أن القائد البطل يحتمي داخله. وعلى الرغم من مشاركة طائرتين مروحيتين في هذه الحملة، إلا أن البطل تمكن بعناية الله وحفظه من خداع القوات الإسرائيلية والنجاة من الطوق العسكري المحكم منسحباً من المنطقة ليترك سلطات الاحتلال وجيشها تجر أذيال الخيبة والإخفاق. وقد حاولت قوات العدو التغطية على فشلها في هذه الحملة باتهام سكان الحي بالتواطؤ مع عماد وتقديم تسهيلات له للخروج من الطوق العسكري. وكان قائد وحدة "الناحل" التي تعمل في إطار جيش الاحتلال الصهيوني قد نقل أحد جنوده إلى الجبهة الخلفية وأمر بعرضه على الطبيب النفسي إثر معاناته من كوابيس ليلية لازمته بعد إخفاقه في إصابة الشهيد القائد في السابع والعشرين من آذار (مارس) 1993 حين اصطدمت وحدته العسكرية التي كانت تقوم بأعمال الدورية الروتينية فجأة بعماد ومجموعة كتائب الشهيد عز الدين القسام في قلب مخيم الشاطئ. وتقول صحيفة معاريف العبرية التي نقلت الخبر بأن هذا الجندي "بادر إلى فتح النار على المطلوب عماد عقل بعد أن تيقن أنه كان مسلحاً إلا أنه أخطأ المطلوب، الأمر الذي أسفر عن فراره هو ورفاقه دون إصابة أحد منهم". إنها عناية الله التي لازمت الشهيد وحرسته عن أعين مخابرات الاحتلال وعملائها وليست "لأسباب غير واضحة" كما ادعت الصحيفة العبرية في معرض تقريرها عن نقل الجندي الإسرائيلي إلى الطب النفسي في أعقاب إخفاقه في إصابة الشهيد القائد.

المعلق الإسرائيلي المعروف "عمانويل روزن" كتب تقريراً في صحيفة معاريف حول المطارد ذي الأرواح السبعة جاء فيه "تبني هذا الشخص وهو مطلوب رقم واحد في المناطق أساليب عمل ذكية جعلت مهمة اقتفاء آثاره من قبل قوات الأمن الإسرائيلية مهمة شاقة. ويرى فيه الفلسطينيون بطلاً وطنياً، وأطلقوا عليه لقب (الشبح) وذلك تعبيراً عن قدرته الفائقة في الفرار والانتقال من كان لآخر بسرعة كبيرة…. وقد عرف عقل بصلابته وقسوته الكبيرة وقدرته التنظيمية العالية… لقد تنقل ما بين قطاع غزة ومنطقة الخليل وحظي بدعم وغطاء السكان الذين تعاطفوا مع نهجه". وأضاف روزن "أن مطاردة عماد عقل كانت من العمليات الصعبة والمعقدة والمحبطة في تاريخ عمليات المطاردة التي قامت بها أجهزة الأمن الإسرائيلية".